شهدت ألعاب ريو 2016 تتويج البريطاني أندي موراي بلقب فردي التنس الأولمبي للمرة الثانية على التوالي، ليصبح بذلك أول لاعب يحقق ذلك في التنس، الرياضة التي ظهرت في البرنامج بين 1896 و1924 بعد أن كانت رياضة استعراضية من 1968 إلى 1984 قبل أن تعود إلى الألعاب كرياضة رسمية في سيول 1988. بعد انتصاره على روجيه فيدرر في نهائي لندن 2012، احتفظ موراي، الذي كان حاملا لعلم بلده خلال مراسم حفل الافتتاح في ريو، بلقبه بالفوز بأربع مجموعات مضنية على الأرجنتيني خوان مارتين ديل بوترو. وعند تفوقه على خصمه العنيد بفوز 7-5، 4-6، 6-2، 7-5، سجّل الاسكتلندي اسمه في كتب الأرقام القياسية الأولمبية.
"كان الأمر قاسيًا وصعبًا من الناحية النفسية والجسدية" قال موراي الذي كان في غاية السعادة على الرغم من إرهاقه "كان هناك الكثير من التقلبات في المباراة. حظي فيها كلانا بفرصه وكانت دون شك واحدة من أصعب المباريات التي خضتها للفوز بحدث كبير. أنا سعيد لأنني كنت في الصدارة. فقد تعرّضت لبعض الهزائم الصعبة خلال السنوات الأخيرة، حين خسرت نهائيات بطولة غراند سلام. بالطبع تمكنت أيضًا من الفوز ببعض البطولات الكبيرة، مما ينبئ بما كنت أخبيه في جعبتي".
يُعد موراي أحد أفضل معيدي ضربات الإرسال في البطولة، حيث صقل مهاراته تدريجياً على مر السنوات، وقام بتحسين جميع جوانب أساليب لعبه، لا سيما حالته المزاجية، وذلك تحت إشراف مختلف مدرّبيه. كما كان لاعب كرة قدم موهوب في سنوات شبابه حتى تم اكتشافه من قبل نادي غلاسكو رينجرز، ليتخلّى عن تلك الرياضة بشكل نهائي في سن الـ 15، واختار بدلاً من ذلك تكريس كامل طاقاته للتنس.
إنجاز طال انتظاره
انطلقت رحلة موراي الطويلة نحو تسلق القمة في 2006، حيث فاز بأول لقب له في بطولة رابطة محترفي التنس في كوينز بعد ثلاث سنوات من ذلك. غير أنه استغرق وقتًا أطول لتحقيق الانتصار في بطولة غراند سلام. بعد هزيمته من قبل فيدرر في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة لعام 2008، ليخسر مرة أخرى أمام السويسري في بطولة أستراليا المفتوحة 2010 ونهائيات ويمبلدون 2012، إلى جانب تلك الإخفاقات تعرّض بينها إلى الهزيمة أمام ديوكوفيتش في نهائي بطولة أستراليا المفتوحة 2011. مع ذلك، شكّلت الألعاب الأولمبية نقطة التحول في مسيرة موراي الرياضية. فبعد هزيمته في الجولة الأولى في بكين 2008، تدارك البريطاني الوضع بعرض قوي هيمن به على عشب ويمبلدون، الذي سبق وكان مسرح هزيمته الثالثة في نهائي بطولة غراند سلام أمام فيدرر قبل بضعة أسابيع من ذلك. مستمدًا الإلهام من جماهير وطنه، حجز البريطاني مكانًا له في مباراة النهائي الأولمبي بفوزه بـ 7-5 و7-5 في مباراة نصف النهائي على المصنف الثاني ديوكوفيتش.
كان بانتظاره هناك خصمه الكلاسيكي السويسري، المصنف الأول عالميًا آنذاك. ببسالة، كسر موراي إرسال خصمه في الشوط السادس من المجموعة الأولى وسدد إرسالًا ساحقًا ببراعة. منح خطأ مزدوج استثنائي من قبل فيدرر مرشح الديار المجموعة الثانية، في طريقه لتحقيق انتصار لافت بواقع 6-2، 6-1، 6-4، حيث لم يخسر سوى نقطة إرسال واحدة في المجموعة الثالثة. في سن الـ 25، أصبح موراي أول بريطاني يُتوّج بميدالية ذهبية أولمبية في فردي الرجال منذ يوشيا ريتشي في لندن 1908، وهو إنجاز وصفه بـ "أفضل لحظة في حياتي".
بعد إقصائه من زوجي الرجال مع شقيقه جايمي، حُرم موراي من ذهبية ثانية في لندن 2012 مع لورا روبسون في الزوجي المختلط، حيث خسر الزوج البريطاني مباراة النهائي بعد كسر التعادل أمام فيكتوريا أزارينكا وماكس ميرني من بيلاروسيا.
التألق في القمة
أتبع موراي انتصاره الأولمبي غير المسبوق بتتويجه بأول لقب له في بطولة غراند سلام بعد أسابيع قليلة، عند فوزه على ديوكوفيتش في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة. أصبح بذلك أول لاعب بريطاني يفوز بلقب رئيسي منذ فريد بيري في 1936 وكسب أيضًا عضوية ما يُسمى "الأربعة الكبار"، إلى جانب فيدرر، رافائيل نادال وديوكوفيتش. في العام الموالي في ويمبلدون، تفوّق مرة أخرى على اللاعب الصربي، حيث تغلب عليه في مجموعات متتالية في النهائي ليمنح بريطانيا أول فائز لها على أرض الديار منذ بيري قبل 77 عامًا. بعد ذلك، في 2015، يمكن القول أن موراي قاد بلده إلى المجد في كأس ديفيز للمرة الأولى منذ 79 عامًا، بفوزه في جميع مبارياته الثماني الفردية وجميع جولاته الزوجية الثلاث، حيث حازت بريطانيا على ما يُعرف بـ"صحن السلطة" الشهير بهزيمة بلجيكا بـ 3-1.
استهلّ موراي عام 2016 بخسارته في نهائي بطولة أستراليا المفتوحة للمرة الثالثة، هذه المرة أمام ديوكوفيتش، الذي تفوّق عليه مرة أخرى في رولان غاروس، أين شارك البريطاني في أول نهائي له في بطولة فرنسا المفتوحة. أضاف موراي إلى حصيلته لقب ويمبلدون الثاني بعد بضعة أسابيع، بفوزه على الكندي ميلوش راونيتش في مجموعات متتالية.
مكّن ذلك الفوز على عشب الديار اللاعب البريطاني من الدفاع عن لقبه في ريو 2016، أين نجح في تحقيق إنجاز باهر آخر في مسيرته.
"كان حملي للعلم في مراسم حفل الافتتاح بمثابة تجربة رائعة"، صرّح موراي وهو يستذكر مغامرته في ريو. "إنه لشرف كبير أن تتاح لي فرصة القيام بذلك. لقد كان ذلك مؤثرًا جدًا. بعد ذلك اليوم، كان عليّ القيام بإعادة ترتيب أفكاري نوعًا ما وصب تركيزي الذهني على المباريات. مباراة من هذا النوع [النهائي]، إلى جانب ارتفاع الضغط خلال الأيام العشرة الأخيرة، كانت تلك فترة مؤثّرة للغاية. أنا سعيد جدا لأنني تمكنت من تحقيق هدفي".
بلغ موراي نهاية 2016 بأرقى المستويات. في الخامس من نوفمبر، في سن 29 عامًا و5 أشهر و23 يومًا، وصل إلى نهائي بطولات دورات الماسترز 1000 نقطة في باريس، وأصبح بذلك اللاعب السادس والعشرون الذي يرتقي إلى المرتبة الأولى في تصنيفات رابطة محترفي التنس وأول لاعب بريطاني يتصدّرها منذ تأسيسها في 1973. أنهى موراي بذلك فترة هيمنة ديوكوفيتش الطويلة كأفضل لاعب في العالم، والتي امتدت إلى غاية يوليو 2014. احتفل البطل الأولمبي مرتين بتألق في اليوم التالي، حيث هزم الأمريكي جون إيسنر في مباراة النهائي ليعزز مركزه الذي حاز عليه حديثًا على رأس قمة تنس الرجال.
تجربة طوكيو 2020
عانى موراي من عدة إصابات في السنوات الأخيرة، حتى أنه اعترف في 2018 أن مشكلة في الورك توشك أن تنهي مسيرته الرياضية. إلا أنه، بعد الجراحة التي أنقذت مسيرته الرياضية، تمكّن من العودة إلى البطولة والتأهل لدورة الألعاب الأولمبية المؤجلة في طوكيو 2020.
قبيل انطلاق ألعاب طوكيو 2020، كتب موراي عن تجاربه في الألعاب الثلاث السابقة: "الألعاب الأولمبية تعني لي الكثير، وإنه لشرف كبير أن أكون قادرًا على أن أتنافس في دورة الألعاب الرابعة في طوكيو. كانت قيادة المنتخب البريطاني خلال حفل الافتتاح في ريو إحدى المحطات البارزة في مسيرتي الرياضية، كما كان الفوز في 2012 على أرض الديار لحظة رائعة".
عند وصوله إلى اليابان، قرر موراي الانسحاب من بطولة الفردي واللعب للحصول على ميدالية ذهبية ثالثة على التوالي للتركيز على منافسته في الزوجي جنبًا إلى جنب مع شريكه جو ساليسبوري. وقد وصل الثنائي إلى الدور ربع النهائي قبل أن يتم إقصاؤهما.